جامع بني أمية في دمشق هو أكمل وأقدم آبدة إسلامية مازالت محافظة على أصولها، منذ عصر مُنْشِئها الوليد بن عبد الملك الخليفة المصلح الذي حكم من 86-96هـ/705-715م وخلال حكمه كان منصرفاً إلى الإعمار والإنشاء، وكان بناء الجامع من أكثر الأمور أهمية عنده، ولقد استعان في عمارته بالمعماريين والمزخرفين من أهل الشام، ممن كان لهم الفضل في بناء كثير من المباني في دمشق، ولعل منهم من مضى إلى المدينة المنورة في أيام الوالي عمر بن عبد العزيز، وبأمر من الوليد لإعادة بناء مسجد الرسول على طراز الجامع الكبير في دمشق.
¶ تاريخ الجامع
أُقيم الجامع الأموي في دمشق بشكل مؤقت، بعد فتح بلاد الشام، في الجهة الشرقية الجنوبية من أطلال المعبد الروماني الذي أُنشئ في القرن الأول الميلادي، وأُنشئ في جدار هذا المعبد أول محراب في الإسلام، مازال قائماً صلى فيه الصحابة مع خالد بن الوليد وأبي عبيدة الجراح، القائدين اللذين فتحا دمشق، الأول عنوة، والثاني صلحاً، وأعطى خالد سكان البلاد عهده بالحفاظ على ممتلكاتهم ومعابدهم ومساكنهم.
وفي عصر معاوية بن أبي سفيان؛ والياً ثم أول خليفة أموي، كان يصلي في هذا المسجد المؤقت، يدخل إليه من الباب القبلي الروماني، ولايزال قائماً في جدار القبلة.
وكان معاوية قد أنشأ لنفسه قصر الخضراء المتاخم لهذا الجدار، وقد أنشأ معاوية في المسجد مقصورة خاصة به، هي أول مقصورة في الإسلام.
إثر زلزال عنيف أتى على المعبد لم يبق قائماً إلا الهيكل الذي يقع في منتصف فناء واسع محاط بجدار مرتفع تخترقه أربعة أبواب من الجهات الأربع، وكانت كلها أطلالاً. وكان يحيطها سور آخر معمّد، حيث استعمل المسيحيون من سكان دمشق هذا الهيكل كنيسة، وكانوا يدخلون من الباب ذاته الذي أصبح يدخل منه المسلمون إلى مسجدهم في الشرق.
ولم يكن من السهل أن يبقى المسلمون في عاصمتهم التي أصبحت تحكم أوسع دولة، وأن يكون مسجدهم مؤقتاً في دمشق وفي القدس. فقام عبد الملك بن مروان بإنشاء مسجد قبة الصخرة، وباشر بإنشاء المسجد الأقصى في المكان الذي صلى فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما جاء إلى القدس .
¶ مئذنة العروس
أكمل الوليد بناء المسجد الأقصى، وباشر ببناء الجامع الكبير في دمشق، بعد أن اتفق مع أصحاب الكنيسة - الهيكل على أن يقدم لهم بديلها، وهكذا استطاع البناؤون الإفادة من كميات هائلة من حجارة المعبد المتراكمة، ومن أعمدته وتيجانه لإقامة جامع ضخم، يعتمد على التخطيط الذي وضعه الرسول عليه الصلاة والسلام ( عند بنائه لمسجده الأول في المدينة المنورة، وكان هذا المخطط يقوم على تقسيم المسجد إلى بيت الصلاة وإلى فناء مفتوح، حيث استبقى الوليد الجزء السفلي من جدار القبلة وأعاد الجدران الخارجية والأبواب، وأنشأ حرم المسجد مسقوفاً مع القبة، وأنشأ أروقة تحيط بصحن الجامع. وأقام في أركان الجامع الأربعة صومعة ضخمة، كذلك فعل في المدينة المنورة، ولكن زلزالاً لاحقاً أتى على المنارتين الشماليتين، فاستعيض عنها بمنارة في وسط الجدار الشمالي، وأصبح للمسجد ثلاث منارات؛ اثنتان في طرفي الجدار الجنوبي، وواحدة في منتصف الجدار الشمالي وتسمى مئذنة العروس.
إن هذه الصوامع المربعة هي أصل المآذن التي انتقلت إلى شمالي أفريقيا والأندلس، نرى تأثيرها واضحاً على مآذن القيروان وحسان وإشبيلية.
كذلك لم تكن قائمة تلك الصالات الأربع الرحبة، التي تسمى المشاهد والتي أصبحت جزءاً من مقر الحكم الأموي، مع أجزاء أخرى غربي وجنوبي الجامع مازالت آثارها قائمة، وكانت مخصصة للبريد وبيت المال والرسائل. ويتحدث المؤرخون عن استقبال الخليفة لموسى بن نصير وطارق بن زياد، وقد عادا من الأندلس، وخلفهما ملوك الغوط والأمراء هذا الاستقبال الذي تمّ في الحرم وفي القاعة الغربية، وفي منشآت كانت قائمة في منطقة الغرب التي تسمى اليوم المسكية.
¶ مساحة الجامع
تبلغ مساحة المسجد كله 157×97م وتبلغ مساحة الحرم 136×37م أما مساحة الصحن، فهي 22.5×60م وينفتح في الصحن ثلاثة أبواب، باب البريد من الغرب وباب جيرون من الشرق وباب الكلاسة من الشمال. وباب الزيادة من الجنوب ينفتح من الحرم. أما الصحن، فإنه محاط من جوانبه الثلاثة بأروقة شامخة ارتفاعها 15.35م، ومن الجنوب تنفتح أبواب الحرم التي أصبحت مغلقة بأبواب خشبية تعلوها قمريات زجاجية ملونة مع كتابات.
وتنهض الأروقة على صفٍ من القناطر المتراكبة، قنطرتان صغيرتان فوق كل قنطرة كبيرة، وتحملها (سواري) مربعة ضخمة وأعمدة؛ عمودان بين كل ساريتين في الجانبين ويبلغ عددها مجتمعة 47 سارية وعموداً. وهي تشكل واجهات الأروقة وواجهة الحرم المؤلفة من جبهة ثلاثية ذات نافذة مفتوحة على طرفيها نافذتان دائريتان، وتحت الجبهة واجهة مربعة في وسطها قوس كبير ضمنه ثلاث نوافذ، وترتكز هذه الواجهة على ثلاث قناطر محمولة على عمودين في الوسط، وركنين في الجانبين وتدعم هذه الواجهة من الطرفين بدعامتين مربعتين ضخمتين. وعلى طرفي هذه الواجهة تمتد القناطر المتراكبة (تسع قناطر إلى اليمين ومثلها إلى اليسار شرقاً). ومن الرواق تنفتح على الصحن 24قنطرة ومن الرواقين الشرقي والجنوبي تسع قناطر.
¶ حرم المسجد
أما حرم المسجد، فهو مؤلف من قناطر متشابهة عددها 24قنطرة تمتد عرضانياً موازية للجدار القبلي، يقطعها في الوسط جناح متوسط يمتد من باب الجبهة الرئيسي وحتى المحراب. ويغطي هذا الجناح المتوسط سقف سنمي، في وسطه تنهض قبة النسر المؤلفة من قبة نصف كروية من الخشب المصفّح، ومن قبة ثمانية تنفتح فيها 16نافذة، وترتفع القبة عن أرض الجامع 45م وهي بقطر 16متراً
وفي حرم الجامع أربعة محاريب، المحراب الأصلي في منتصف الجدار القبلي. وهذه المحاريب مخصصة للمذاهب الأربعة. وفي أعلى جدار القبلة، تنفتح على امتداده نوافذ ذات زجاج ملون. عددها 44نافذة مع ست نوافذ في الوسط.
ويقوم إلى جانب المحراب الكبير منبر حجري رائع. إن جميع الزخارف الرخامية المنقوشة في المحراب والمنبر وفي المحاريب الأخرى هي آيات فنية، صنعها المبدعون الدمشقيون الذين نقلوا فنونهم إلى أنحاء كثيرة من البلاد العربية والإسلامية. ولقد زينت جدران الحرم بالفسيفساء والرخام، ومازالت أقسام كثيرة من الفسيفساء الأموي قائمة في الحرم من الشمال، على الرغم من النكبات الكثيرة التي أصابت المسجد.
ويبدو الجامع مهيمناً على مدينة دمشق القديمة بهامته المتجلية بقبة النسر، وبمآذنه الثلاث التي أقيمت في وقت لاحق فوق الصوامع الأموية التي كانت مجرد بدن دون منارة عليه، كما هو الأمر في الصوامع المغربية. والمئذنة الشمالية هي الأقدم ولقد أضيف إليها منارة في عصر صلاح الدين، ثم في عصر العثمانيين، وفوق الصوامع أنشئت المئذنة الشرقية في عصر الأيوبيين ثم العثمانيين، والمئذنة الغربية أنشأها السلطان قايتباي.
¶ متحف الجامع الأموي
في ركن الزاوية الشمالية القريبة من الجامع، أقيم هذا المتحف عام 1989، ويضم نفائس الجامع القديمة وبعض الأحجار والسجاد واللوحات الخطية الجميلة، مع مصابيح إنارة وقطع فسيفسائية وخزفية وزجاجية ونقود إسلامية وساعات وصفحات من المصاحف المخطوطة القديمة.